فخر الدين الرازي
36
تفسير الرازي
من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب " حتى إذا " بدليل قوله تعالى : * ( حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ) * ( الزمر : 71 ) والتقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها . فان قيل : إن فشلتم وتنازعتم معصية ، فلو جعلنا الفشل والتنازع علة للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه وذلك فاسد . قلنا : المراد من العصيان ههنا خروجهم عن ذلك المكان ، ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان ، فلم يلزم تعليل الشيء بنفسه . واعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل الواو زائدة . الوجه الثالث في الجواب : أن يقال تقدير الآية : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون ، صرتم فريقين ، منكم من يريد الدنيا ، ومنكم من يريد الآخرة . فالجواب : هو قوله : صرتم فريقين ، إلا أنه أسقط لأن قوله : * ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) * يفيد فائدته ويؤدي معناه ، لأن كلمة " من " للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام ، وهذا احتمال خطر ببالي . الوجه الرابع : قال أبو مسلم : جواب قوله : * ( حتى إذا فشلتم ) * هو قوله : * ( صرفكم عنهم ) * والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا وكذا صرفكم عنهم ليبتليكم وكلمة " ثم " ههنا كالساقطة وهذا الوجه في غاية العبد . والله أعلم . المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة : أولها : الفشل وهو الضعف ، وقيل الفشل هو الجبن ، وهذا باطل بدليل قوله تعالى : * ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) * ( الأنفال : 46 ) أي فتضعفوا ، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى فتجنبوا . ثانيها : التنازع في الأمر وفيه بحثان . البحث الأول : المراد من التنازع انه عليه الصلاة والسلام أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم البتة ، وجعل أميرهم عبد الله بن جبير ؛ فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون ، ثم إن الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخيلهن ، فقالوا الغنيمة الغنيمة ، فقال عبد الله : عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة ، وبقي عبد الله مع طائفة قليلة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون فهذا هو التنازع . البحث الثاني : قوله : * ( في الأمر ) * فيه وجهان : الأول : أن الأمر ههنا بمعنى الشأن والقصة ، أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن . والثاني : أنه الأمر الذي يضاده النهي . والمعنى : وتنازعتم فيما أمركم